محمد بن جرير الطبري

12

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقالوا : تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا ! فسماهم الله منافقين ، وبرّأ المؤمنين من وَلايتهم ، وأمرهم أن لا يتولَّوهم حتى يهاجروا . * * * وقال آخرون : بل كان اختلافهم في قوم كانوا بالمدينة ، أرادوا الخروج عنها نفاقًا . * ذكر من قال ذلك : 10058 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا " ، قال : كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة ، فقالوا للمؤمنين : إنّا قد أصابنا أوجاعٌ في المدينة واتَّخَمْناها ، ( 1 ) فلعلنا أن نخرج إلى الظَّهر حتى نتماثل ثم نرجع ، ( 2 ) فإنا كنا أصحاب برّيّة . فانطلقوا ، واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت طائفة : أعداءٌ لله منافقون ! ( 3 ) وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم ! وقالت طائفة : لا بل إخواننا غَمَّتهم المدينة فاتّخموها ، ( 4 )

--> ( 1 ) " اتخمناها " ، " افتعل " من " الوخم " ، يقال : " أرض وخمة ووخيمة " ، وبيئة ، لا يوافق المرء سكنها فيجتويها . و " استوخم القوم المدينة " : استثقلوها ، ولم يوافق هواؤها أبدانهم . والذي ذكرته كتب اللغة بناء " استوخم " " استفعل " متعديا من " الوخم " ، ولم يذكروا " اتخم " " افتعل " ، وهو صحيح في قياس العربية . وهذا شاهده . ( 2 ) " الظهر " : ما غلظ وارتفع من الأرض ، و " البطن " : ما لان منها وسهل ورق واطمأن . ومثله " ظاهر الأرض " ، فسموا ما بعد عن القرية وارتفع في البرية : " ظهر البلدة وظاهرها " . ( 3 ) في المطبوعة : " أعداء الله المنافقون " ، وفي المخطوطة : أعداء الله منافقون " ، والصواب ما أثبت . ( 4 ) في المطبوعة والدر المنثور 2 : 191 : " تخمتهم المدينة فاتخموها " ، وليس صوابا . وفي المخطوطة : " عمهم المدينة " غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها ، من " الغم " : وهو الكرب وكل ما يكرهه الإنسان فيورثه الضيق والهم . والدليل على صحة هذه القراءة ما جاء في معاني القرآن 1 : 280 " ضجروا منها واستوخموها " وانظر ما سلف تعليق : 1 ، في تفسير " اتخم " .